الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلما نصحت أحدًا في أي أمر أقع في نفس الخطأ..هل أنا غير مخلصة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشكلتي أنني كلما نصحت أحدًا في أي أمر، فإنني مع مرور الوقت أقع في نفس الخطأ، ولا أدري ما هي المشكلة؟ وهل معنى ذلك أن لدي استعلاء، أو أن قلبي ليس سليمًا؟

أرجو أن تخبروني ما سبب ذلك؟ وما الحل؟ لأنني أخشى أن أكون غير مخلصة!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرًا لحرصك على طلب الاستشارة، وأول ما نود أن نبدأ به هو الثناء على هذا الشعور الطيب لديك، وهو حرصك على نصح الآخرين، وتوجيههم إلى الخير؛ فالنصيحة من أعظم أبواب الخير، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة»؛ فالإنسان الذي يحمل همّ إصلاح نفسه والآخرين إنما يسلك طريقًا عظيمًا من طرق الخير؛ لأن الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس من الأعمال التي يعظم أجرها عند الله إذا صلحت النية، وصدق القصد.

ومن المهم أن يعلم من يسلك هذا الطريق أن دعوة الناس إلى الخير تحتاج إلى صبر، ومجاهدة للنفس؛ فالداعية لا يكتفي بأن يدل الناس على الخير، بل يصبر على ما قد يراه من تقصير منهم، أو من نفسه أيضًا، ويحتسب الأجر عند الله؛ لأن طريق الإصلاح ليس طريقًا سهلاً، بل هو طريق يحتاج إلى صبر وثبات، كما قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (واصبر على ما يقولون)، وكما كان حال الأنبياء والصالحين الذين دعوا الناس إلى الله مع مجاهدة أنفسهم قبل غيرهم.

وقد رسم الله تعالى المنهج الصحيح للدعوة في قوله سبحانه: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)؛ فالحكمة تعني وضع الكلام في موضعه المناسب، واختيار الوقت والأسلوب اللطيف الذي يقبل به الناس النصيحة، والموعظة الحسنة هي التذكير الرقيق الذي يلامس القلب دون قسوة، أو تعنيف.

أما المجادلة بالتي هي أحسن: فهي الحوار الهادئ البعيد عن التعالي والخصومة؛ فالداعية في حقيقته طبيب للقلوب، يعالجها بالرفق واللين، ويحرص على أن يكون قدوة قدر استطاعته.

وأما ما ذكرتِه من أنك أحيانًا تنصحين غيرك بشيء ثم تجدين نفسك تقعين في الخطأ نفسه، فهذه حالة يمر بها البعض، ولا تعني بالضرورة وجود استعلاء، أو فساد في القلب كما تخشين، بل إن خوفك من هذه الأمور، وقلقك من أن يكون في نفسك شيء من الكبر، أو نقص الإخلاص هو في حد ذاته علامة خير؛ لأنه يدل على أنك تراقبين نفسك، وتخافين على عملك أن يفسده الرياء أو العجب.

وكثير من العلماء ذكروا: أن محاسبة النفس والخوف على النية من علامات حياة القلب؛ لأن صاحب القلب الغافل لا يلتفت إلى مثل هذه المعاني.

ومن المهم أيضًا أن نعلم أن الإنسان قد يعرف الخير، ويدعو إليه، لكنه لا يزال يجاهد نفسه ليطبقه على الوجه الكامل؛ فالبشر بطبيعتهم يخطئون ويقصرون، وليس معنى ذلك أن يترك الإنسان النصيحة حتى يصبح كاملاً؛ لأن الكمال غير متحقق للبشر، وإنما الواجب أن يجتهد في إصلاح نفسه، وأن ينصح غيره في الوقت نفسه، مع الاعتراف بالتقصير والسعي إلى التوبة كلما وقع في خطأ.

ومع ذلك فإن مراجعة النفس أمر محمود، ومن الجميل أن تحاولي تطوير نفسك في هذا الجانب، فلو أتيحت لك فرصة الالتحاق بالدراسة، أو حضور دورات في العلوم الشرعية، أو مهارات الدعوة، والتواصل مع الناس؛آفإن ذلك قد يساعدك في صقل مهاراتك الدعوية، ويزيدك فهمًا لطبيعة النفس البشرية، وأساليب التأثير الإيجابي في الآخرين.

ومن الأمور التي تعين كثيرًا على تحقيق الإخلاص:
أن يعتاد الإنسان على محاسبة نفسه بين الحين والآخر، فيسأل نفسه: لماذا أفعل هذا العمل؟ ولمن أقول هذه الكلمة؟ وهل أبتغي بها رضا الله أم ثناء الناس؟ ومع هذه المراجعة المستمرة يحرص على الدعاء بأن يرزقه الله الإخلاص، فقد كان السلف الصالح يخافون على نياتهم كثيرًا رغم أعمالهم الصالحة.

ولهذا فلا تجعلي هذا الخوف سببًا لترك الخير، أو التوقف عن نصح الناس، بل اجعليه دافعًا لمزيد من مجاهدة النفس، وإصلاح القلب، والحرص على أن يكون العمل خالصًا لله تعالى، ومع الاستمرار في ذلك، ومع الدعاء الصادق، سيعينك الله على إصلاح نفسك، ونفع غيرك، ويجعل نصيحتك سببًا للخير لك ولمن حولك.

نسأل الله أن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً