الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن هذا الفعل الذي تسأل عنه ليس شيئًا عاديًا، ولا قريبًا من العادي، بل هو عقوق محرم، وفعل من أقبح الأفعال وأرذلها، فمنزلة الوالدين، وبرهما، والحرص على رضاهما، وإكرامهما من أعظم الأعمال عند الله عز وجل، وقد كرر الله الوصية بهما في كتابه الكريم، فقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف: 15]، وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14]
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، بل قرنه بالشرك بالله تعالى، ففي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور أو شهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وإذا كان الشرع الحنيف قد أوجب المصاحبة بالمعروف للوالدين المشركين اللذين يبذلان جهدهما في دعوة ولدهما للشرك بالله، فما الظن بوالد مؤمن يطلب القرب والاطمئنان!
قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: 15]، وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: 8].
بل إن الانشغال بالعبادة ذاتها لا يُسوِّغ إهمال الوالدين، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا بليغًا في قصة جريج العابد، الذي كان في صومعته يتعبد، فنادته أمه فلم يجبها مؤثرًا صلاته، فدعت عليه، فابتُلي بسببها، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولو دعت عليه أن يُفتن لَفُتِنَ. فكيف بمن آثر شأنه على نداء والديه.
فعليك بإجلال والديك، وتعظيم برهما في نفسك، وعدم إهمال اتصالات والدك، وتجنب ما يزعجه من عدم الرد عليه، أو التساهل فيه، ولو كنت في أشد الأشغال وأهمها؛ فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي جاءه ليجاهد معه، ليبر بوالديه، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. متفق عليه.
فعليك بمبادرة والدك بالرد عليه ومحادثته بأسلوب لطيف بلا تأفف، وبالاتصال عليه، والسير على ما يرضيه ويطمئنه عليك. ولتعلم أن هذا البر من أجل الأعمال عند الله، ومن أكبر أسباب التوفيق في الدنيا والآخرة.
والله أعلم.