الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فليس لكِ فسخ البيع الذي تم بينكما، إذا استوفى البيع شروطه وأركانه -وهو الظاهر في البيع المذكور-، فإنه يصبح لازماً للطرفين: البائع والمشتري، كما أنه لا يحق لكِ استرجاع هذه الطرحة إلا إذا رضي البائع بذلك، أو كان في الطرحة عيب مؤثر، أو كان بينكما خيار الشرط، فيمكن حينئذٍ استرجاعها.
وعليه؛ فلا يجوز لك ما فعلتِه من أخذ طرحة أخرى غير الأولى التي تم البيع عليها، ويلزمك إرجاعها لصاحب المحل، وأخذ طرحتك الأولى؛ إلا إن عفا عنك، ووافق صاحب المحل على إعطائك الطرحة التي أخذتها، وذلك أن المعتبر -في مثل هذه الحال- هو رضا البائع بالرد، أو الإقالة، وهذا مستحب في حقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أقال مسلمًا، أقاله الله عثرته. رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد.
وعليك ضمان ما أتلفته من معدات المحل؛ كالآلة الحاسبة.
وأما نصيحتنا لك؛ فهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: أوصني، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تغضب، فردّد مراراً، فقال: لا تغضب. رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية أحمد وابن حبان: ففكرت حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله.
قال ابن التين: جمع صلى الله عليه وسلم في قوله "لا تغضب" خير الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوبَ عليه، فينتقص ذلك من دينه. اهـ.
وسبيل العلاج منه بتجنب أسبابه ومهيجاته، وعليه يخرَّج قوله صلى الله عليه وسلم "لا تغضب" أي اجتنب أسباب الغضب، فعليك أن تنظري ما الذي يثير غضبك وحنقك فاجتنبيه.
وإذا أحسست بالغضب، فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، فقد استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما تحمر عيناه، وتنتفخ أوداجه، فقال صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متفق عليه، من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.
فإن اشتد عليك الغضب أكثر، فإن كنتِ قائمة فاجلسي، أو قاعدة فاتكئي، أو متكئة فاضطجعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا غضبت فإن كنت قائماً فاقعد، وإن كنت قاعداً فاتكئ، وإن كنت متكئاً فاضطجع. أخرجه ابن أبي الدنيا، وقال العراقي في تخريج الإحياء: إسناده صحيح.
ومن سبل دفع الغضب وإسكانه: الوضوء، فقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تبرد النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ. رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث عطية بن عروة رضي الله عنه.
ولنتذكر مع ذلك فضيلة كظم الغيظ، وأنها من صفة المحسنين الذين يحبهم الحق سبحانه، قال تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134].
وتعدد هذه الطرق وتنوعها في علاج الغضب، يبين لنا مبلغ اهتمام الشارع الحكيم بهذه الطبيعة الإنسانية، وكيفية التعامل معها، لعظم الآثار المترتبة على ذلك، فكم من أسر قد هدمت، وعلاقات قد قطعت، ودماء قد سفكت، كل ذلك في ساعة غضب لم يحسب لها حساب.
فينبغي للمسلم أن يدافع ويجاهد نفسه، وأن يتحلى بصفة الحلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. رواه البخاري.
والله أعلم.