الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحديثان المذكوران ليس بينهما تعارض أصلًا، إذ الحديث الأول: يحكي حال المؤمن المصرّ على التوبة كلما وقع منه الذنب، ولو تكرر ذلك.
وفي الحديث: كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون. حسنه الألباني، فالمؤمن إذا أذنب ندم واستحيا من ربه، وخاف من عقابه، فاستغفر الله، فيغفر الله له، وهكذا كلما وقع في الذنب وآب منه وتاب، قبل الله توبته، ولذا؛ قال السيوطي في قوت المغتذي - عند شرح الحديث الأول في السؤال: فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك، إذا أذنب تاب. انتهى.
وربما ظن السائل من الحديث أن المغفرة له بسبب استتاره بالذنب، وليس الأمر كذلك، صحيح أن الجرأة على المجاهرة بالذنب فيها هتك لستر الله عن العبد، وأن الاستتار بالذنب فيه المعافاة منه، ومن الفضيحة في العلانية، ولأن المجاهرة تدل على جرأة، وتباهٍ، وتفاخر بالذنب، ولكن ليس الاستتار وحده بالذنب كافيًا للسلامة من العقوبة، بل لا بد له من التوبة، وإلا فهو في مشيئة الله تعالى.
إذن الحديث الأول في السؤال يشمل الذنب سراً أو علانية، والمدح لصاحبه هو على رجوعه وانكساره، وتوبته وإصراره عليها، وخوفه وحيائه من ربه، كما سبق في كلام السيوطي.
وأما الحديث الثاني: فهو في حق من شأنه إظهار زي الصالحين في الملأ، وانتهاك المحارم في الخلوات، فلا يستحي من الله، ولا يعظم حدوده، وإنما يراقب الناس، ويراعي البشر.
قال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة الساسة والخمسون بعد الثلاثمائة: إظهار زي الصالحين في الملأ، وانتهاك المحارم -ولو صغائر- في الخلوة -ثم ذكر حديث ثوبان- ... لأن من كان دأبه إظهار الحسن، وإسرار القبيح، يعظم ضرره، وإغواؤه للمسلمين؛ لانحلال ربقة التقوى، والخوف من عنقه. اهـ.
والله أعلم.