الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان خطأ تفسير نصوص القرآن بقول محدَث لم يقل به أئمة العلم

السؤال

هل قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) لا يخص نساء الأمة؛ لقوله تعالى: يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء، ثم ختام الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) فيه دليلٌ أن الآية لنساء النبي، وليس لنساء الأمة؟ حيث قرأتُ تفسيرَ أهلِ العلم لهذه الآية، وأريدُ توضيحَكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنساء النبي صلى الله عليه وسلم لسن كأحد من النساء في الفضل والمكانة، وأما الأحكام فالأصل هو دخول عموم النساء في أحكامهن؛ إلا ما خصه الدليل، ولذلك قال القرطبي في تفسير هذه الآية: معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخِطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع. اهـ.

وقال ابن كثير في تفسيره: هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك. انتهى.

وقال الجصاص في أحكام القرآن: فهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لهن، وسائر ‌نساء ‌المؤمنين مرادات بها. اهـ.

وأما قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33]. فهو أقرب للدلالة على العموم منه على الخصوص؛ لأن إذهاب الرجس والتطهير إن كان هو علة تشريع هذه الأحكام، فهو مطلوب في عموم الأمة.

ويؤكد ذلك أنه قد سبق قوله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، نهيهن -رضي الله عنهن- عن الخضوع بالقول، ولَحِقَه نهيهن عن تبرج الجاهلية الأولى، ولا يمكن أن يقال: إن هذا خاص بأمهات المؤمنين! وكذلك أمْرُهن بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، فكل ذلك يدخل فيه عموم الأمة بلا ريب. ثم قال بعد ذلك كله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33].

وهنا ننبه على أن نصوص القرآن والسنة إذا فهمها الأئمة من أهل العلم على نحو معين، لا يصح أن يخالفهم من بعدهم فيحدثوا فيها قولاً يخالفون به من سبقهم، ولا ينبغي لطالب العلم أن يقول في مسألة بقول محدث، لم يقل به أحد من أهل العلم قبله.

وقد أسند ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» عن الميموني، قال: قال لي أحمد بن حنبل: "يا أبا الحسن، إياك أن تتكلم في مسألة ‌ليس ‌لك ‌فيها ‌إمام. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة من عَدَل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه. فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته، وطرق الصواب.
ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا.
ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها: إما عقلية، وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه
. اهـ.

وقال أيضًا -كما في مجموع الفتاوى-: كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ. اهـ.

والله أعلم

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني