كيف أتعامل مع والدي الذي يضربني ويسيئ لوالدتي؟
2026-03-04 02:18:08 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو من فضيلتكم إفادتي وتوجيهي في مشكلة أسرية تؤرقني، وتسببت لي بأذى نفسي وجسدي كبير.
والدي -هداه الله-، يمارس الكذب بشكل مستمر، وفي أمور مصيرية وكبيرة تخص العائلة، وعندما واجهته بالحقيقة بأدب في البداية لبيان الحق، كانت ردة فعله عنيفة جداً؛ حيث قام بصفعي على وجهي، ولعني، واتهامي بالعقوق، والأدهى من ذلك، أنه قام أمام عيني بقذف والدتي واتهامها بالفسوق دون أي بينة، لمجرد الغضب ومحاولة كسر هيبتها أمامي!
أرجو الإجابة عن التساؤلات التالية: ما حكم الشرع في اعتداء الأب بالضرب واللعن على ابنته لمجرد مواجهته بكذبه؟ وهل يُعتبر قول الحق في هذه الحالة عقوقاً؟ وما عقوبة قذف الزوجة واتهامها بالفسوق أمام أبنائها في الشريعة؟ وكيف يجب أن يكون موقفي كابنة تجاه أمي المظلومة؟ هل يترتب على اتهامي بالعقوق من قِبله سقوط أي من حقوقي الشرعية كالنفقة (خاصة بعد حدوث طلاق بينه وبين والدتي)؟ كيف أتعامل مع والدي الذي يتخذ من نصوص بر الوالدين وسيلة لظلمنا وتمرير كذبه واعتداءاته؟
جزاكم الله خيراً، ونفع بعلمكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دعاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.
بدايةً نود -أيتها الكريمة- أن نذكركِ بموقف القرآن من إساءة الوالد إلى ولده، وما هو التوجيه الرباني للولد والبنت في هذه الحالة، وكيف يتعامل مع الوالد.
قال الله -سبحانه وتعالى- في سورة لقمان، وهو يتكلم عن الوالدين: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، فهذه الآية بين الله تعالى فيها أن الولد لا يطيع والده إذا أمره بشيء من معصية الله؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ولكن القرآن نبه الولد إلى أن إساءة الوالد لا تبرر أن يسيء الولد إلى والده، مهما بلغت إساءة الوالد.
وذكر في هذه الآية أعظم إساءة من الوالد، وهي أن يبذل كل ما يقدر عليه من أجل أن يجر ولده إلى الكفر والعياذ بالله تعالى، ويجعله من أهل النار الخالدين فيها، فرغم كل هذه الإساءة الكبيرة التي يقوم بها الوالد قال الله تعالى له: {فَلَا تُطِعْهُمَا} يعني في هذه الدعوة إلى الكفر، ثم بيَّن له ما هو الموقف فقال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
فإساءة الوالد لا تُبرِّر إساءة الولد، بل هو مأمور بالإحسان إلى والده بما أمكنه من الإحسان، وهذا كله لأن حق الوالد عظيم، ولذلك جعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه هو سبحانه فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
وأخبرنا الرسول الكريم ﷺ أن الوالد هو أوسط أبواب الجنة، يعني أفضل باب يدخل منه الإنسان إلى الجنة الوالد، وحرم الله تعالى العقوق، وجعل العقوق من كبائر الذنوب.
هذا كله يبين لكِ منزلة الوالد وعظم حقه على ولده، ولهذا العلماء يقولون: إن الولد ليس له الحق في أن يغضب والده بأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أي أن الولد إذا رأى والده يفعل شيئًا من المحرمات أو المنكرات فإنه ينبغي أن ينصحه بهدوء وأدب، بشرط ألَّا يغضب والده، فإذا رأى أن والده قد غضب فالواجب عليه أن يسكت، وألَّا يستمر في النصيحة؛ لأن إغضاب الوالد هو في حد ذاته معصية كبيرة.
إذا اتضحت لكِ الصورة الآن -أيتها الكريمة- ستعرفين أن الأسلوب الذي واجهتِ به والدكِ لم يكن موفقًا، ولم تكوني موافقة فيه لهدي القرآن ولِمَا جاء به الرسول ﷺ في كيفية التعامل مع والدكِ.
ولهذا نحن ننصحكِ بأن تُصححي ما كان من خطأ، وتحاولي أن تعتذري إلى والدكِ بأسلوب رفيق ليِّن، وهذا لن يُنزل من قدركِ ولن يضركِ، بل سينفعكِ، وربما كان سببًا في إصلاح الحال كله، فإن من يتق الله يجعل له من أمره يسرًا كما وعد الله بذلك، وبه تعرفين أيضًا كيفية التعامل مع والدكِ في المستقبل.
أمَّا إساءة والدكِ إلى أمكِ؛ فهذه خطيئة هو ارتكبها في حق أمكِ ولا يجوز له ذلك، ولكن الحق فيه لأمكِ، فإذا سامحته وعفت عنه فالأمر لها، وينبغي أن تكونوا أنتم (الأولاد) مصلحين بين الطرفين، وأن تحاولوا تليين قلب أمكم، وإقناعها بالعفو والصفح ابتغاء الثواب والأجر من الله -سبحانه وتعالى-، وبذلك تكونون سببًا للتقريب بين القلوب والإصلاح بين والديكم.
أمَّا نفقتكِ أنتِ اللازمة على والدكِ؛ فإن نفقتكِ واجبة عليه ما دمتِ فقيرة محتاجة إلى نفقته، ولكن الأسلوب الأمثل أن تتلطفي به وأن تستعيني بمن يُبصِّره، ويقنعه بأن هذا حق، وأنه لا يجوز التقصير، لكن مع ضرورة التزامكِ أنتِ بالأدب المطلوب منكِ شرعًا مع والدكِ، فقد لَمَسْنا في كلماتكِ ما يُوحي بأنكِ أسأتِ واتخذتِ أسلوبًا غير موفق في كيفية التعامل مع والدكِ، وعباراتكِ تُوحي بهذا.
ولا بد من صبرٍ -أيتها البنت الكريمة- ولا بد من حمل النفس ومجاهدتها على القيام بما يجب عليها ومقارعة الهوى، وبذلك يصل الإنسان إلى السعادة في دنياه وأخراه.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقكِ لكل خير.